أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

210

العقد الفريد

أيها الناس ، إن اللّه تبارك وتعالى نعى نبيّكم صلّى اللّه عليه وسلم إلى نفسه فقال : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ « 1 » ؛ وقال : وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ « 2 » ؟ فمات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ومات الخلفاء الراشدون المهتدون المهديون ، منهم أبو بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان الشهيد المظلوم ، ثم تبعهم معاوية ؛ ثم وليكم البازل الذكر الذي جرّبته الأمور ، وأحكمته التجارب مع الفقه وقراءة القرآن ، والمروءة الظاهرة ، واللين لأهل الحق ، والوطء لأهل الزيغ ؛ فكان رابعا من الولاة المهديين الراشدين ؛ فاختار اللّه له ما عنده ، وألحقه بهم ، وعهد إلى شبهه في العقل والمروءة والحزم والجلد والقيام بأمر اللّه وخلافته ؛ فاسمعوا له وأطيعوه . أيها الناس ؛ إياكم والزّيغ « 3 » ؛ فإن الزيغ لا يحيق إلا بأهله ، ورأيتم سيرتي فيكم ، وعرفت خلافكم ، وقبلتكم على معرفتي بكم ؛ ولو علمت أنّ أحدا أقوى عليكم مني ، أو أعرف بكم ، ما وليتكم ؛ فإياي وإياكم ؛ من تكلم قتلناه ؛ ومن سكت مات بدائه غما ! ثم نزل . خطبة الحجاج لما أصيب بولده محمد وأخيه محمد : أيها الناس ، محمّدان في يوم واحد ! أما واللّه لقد كنت أحبّ أنهما معي في الدنيا مع ما أرجو لهما من ثواب اللّه في الآخرة ؛ وأيم اللّه ليوشكن الباقي مني ومنكم أن يفنى ، والجديد مني ومنكم أن يلي ، والحيّ مني ومنكم أن يموت ؛ وأن تدال الأرض منا كما أدلنا منها ؛ فتأكل من لحومنا ؛ وتشرب من دمائنا ؛ كما مشينا على ظهرها ، وأكلنا من ثمارها ، وشربنا من مائها ؛ ثم يكون كما قال اللّه : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ « 4 » . ثم تمثل بهذين البيتين :

--> ( 1 ) سورة الزمر الآية 30 . ( 2 ) سورة آل عمران الآية 144 . ( 3 ) الزيغ : الميل عن الحق . ( 4 ) سورة يس الآية 51 .